بريطانيا تطلق استراتيجية دفاع شاملة: استعداداً لعصر الفوضى الهجينة

الاستعداد للطوارئ في بريطانيا
2026-09-23 09:38

تشهد بريطانيا اليوم تحولاً محورياً في مقاربتها للأمن القومي، عبر ما يمكن وصفه بـ استعداد بريطاني جديد لمواجهة تهديدات لا تشبه الحروب التقليدية. ففي خطوة تعكس قلقاً متزايداً حيال طبيعة الصراعات المعاصرة، تعيد لندن إحياء وتحديث خططها الحكومية المعروفة تاريخياً باسم “كتاب الحرب”.

لطالما مثّل هذا الكتاب دليلاً سرياً للدولة في أوقات الأزمات الكبرى، كما يحدد مسؤوليات المؤسسات وكيفية تحرك الحكومة في ظروف استثنائية. ومع ذلك، بعد انتهاء الحرب الباردة، خفت أهمية هذه الخطط وأودعت الأرشيف، ظناً بأن زمن الحروب الكبرى قد ولى.

وفي السياق ذاته، تعود بريطانيا اليوم لتحديث هذه الخطط ضمن تصور أوسع للدفاع الداخلي. يربط هذا التصور بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وهو ما يعني استعداداً لاحتمالات امتداد الأزمات الدولية إلى الداخل البريطاني. بالإضافة إلى ذلك، تستعد لندن لاختبار هذه الخطط في تمرين واسع النطاق خلال عام 2027.

لكن، الأشد عمقاً في تفسير هذا التحرك هو تغير طبيعة الحرب التي تخشاها الدول الحديثة. فلم تعد المخاطر تقتصر على الطائرات أو المدافع التقليدية، بل قد تكون أشد هدوءاً وقدرة على التسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية والخدمات الأساسية، حتى يصبح المجتمع نفسه ساحة للصراع.

نتيجة لذلك، تغيرت فلسفة الدفاع ذاتها. فالدولة لا تستطيع حماية مجتمعها إذا عجز المجتمع نفسه عن الصمود أمام الساعات الأولى للأزمة. وبالتالي، تتجه بريطانيا نحو ترسيخ مفهوم أوسع للأمن، لا يجعل الجيش وحده حارساً للبلاد، وإنما يضع المؤسسات والاقتصاد والبنية التحتية والقطاع الخاص والمجتمع المدني وحتى الأسرة ضمن دائرة الاستعداد الوطني.

ومن هنا، تأتي الدعوات التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة، مثل الاحتفاظ بالماء والطعام غير القابل للتلف والبطاريات والأدوية الضرورية. لكن خلف هذه الإرشادات تكمن فلسفة أمنية كبيرة. حيث إن تخزين الماء في مطبخ المنزل يصبح جزءاً من مفهوم “الأمن الوطني”، وهو ما يعني أن تعريف الحرب قد تغير بالفعل.

كما تشمل الإرشادات الرسمية استعدادات لأزمات متعددة. على سبيل المثال، تغطي حالات الطقس القاسي والكوارث الطبيعية، إضافة إلى انقطاع البنية التحتية والهجمات السيبرانية وغيرها من حالات الطوارئ. وهذا يكشف عن إدراك متزايد لهشاشة الحضارة الحديثة، المخفية خلف وفرة تبدو ثابتة.

فعلى الرغم من ذلك، ما نعتبره بديهياً مثل “الضوء، الماء، الهاتف، الإنترنت، المتاجر المفتوحة، والمصارف” ليس سوى شبكة معقدة من الأنظمة المترابطة. إذا انقطع أحد خيوطها، يكتشف الإنسان فجأة مدى اعتماده على عالم لا يراه. لذلك، يبدو “كتاب الحرب” الجديد وكأنه لا يكتب فقط عن الصراع، بل عن هشاشة السلام، وهو محاولة لفهم ساعات الأزمة التي قد تأتي بهدوء غير متوقع.